الخميس، 22 فبراير 2018

الكتابة ليست إلا رحلة صوفية





عندما وطأت قدماي مدينة الناظور للمرة الأولى.. لم تكن وجهتي.. كانت فقط محطة للعبور إلى إقليم الحسيمة حيث كان مقر عملي.. توقفت الناقلة في محطتها الطرقية بعد رحلة طويلة في الصباح الباكر.. وما إن هممت أتنشق نسمات استيقاظها حتى باغتني صوت "الكريسون" (القابض) الحاد.. على مقربة.. الحسيمة.. الحسيمة.. فحبست أنفاسي وأسرعت إلى ناقلة أخرى وأنا أحاول التقاط بعض أثاث المدينة وأشيائها من خلف أسوار المحطة.. غادرت الناظور، أرقب دوره، شوارعه وأزقته... تتلاشى وتصير خلف الناقلة.. وهكذا لم تتح لي سوى ذكرى باهتة مفعمة فقط بخيالات مغمورة..
بعد تسع سنوات.. توقف القطار في محطة جميلة ملهمة.. هنا الناظور.. وبنكهة الفرح العميق.. عدت إليها عريسا للقصة القصيرة جدا.. هل يحق لي قول ما قلته للتو؟ نعم، على الأقل بالنسبة لي.. هذه المرة جئت لأعانق "صفر درهم" وقد تحولت من مخطوط صامت على رفوف الصوان الذي حولته إلى خزانة بعدما فقد ثقة زوجتي.. من سطور خاملة إلى كتاب ناطق يحمل اسمي أعلاه، يتوسطه عنوانه: صفر درهم TTC وفي الأسفل حدد جنسه المتفلت مذيلا بمناسبة الحدث.. قصص قصيرة جدا فازت بالجائزة الأولى في مسابقة المهرجان العربي الثاني للقصة القصيرة جدا..
عندما أخبرني الأستاذ جمال الدين الخضيري مدير المهرجان هاتفيا قبل لحظات التتويج ولمس الكتاب العجيب.. بنيلي الجائزة وبطبع مخطوطي.. لم أنم تلك الليلة.. وكيف ينام من تحول حلم له إلى حقيقة؟.. جلست إلى حاسوبي.. رجعت إلى القصص.. أتفحصها، أتخيلها وقد صارت ملتئمة في سفر.. أحاول أن أتصور كيف سيكون غلافه.. أحسب كم تبقى من الأيام على الموعد.. أعيد قراءتها وأنا أراني أمسك الكتاب بين يدي.. كانت ليلة طويلة جدا.. وممتعة رغم قلق انتظار الحدث العظيم بالنسبة لي..
كان الاستقبال راقيا جدا.. أهل الناظور كنسيم لطيف.. أفراد جمعية جسور التي نظمت المهرجان انبروا للضيوف فرحين بعفوية وصدق.. كتاب ومبدعون ونقاد ألتقي بهم للمرة الأولى.. إنه تجمع مثالي يحملك من عالمك الروتيني البارد وحياتك اليومية المملة إلى لحظات راقية وفذة للغاية.. هنا تنسى قنينة الغاز الفارغة.. الدفاتر التي تنتظر التصحيح.. فاتورة الكهرباء.. الجوارب المهترئة.. لتسمو قليلا بغير جشع ولا طمع.. ولكن بحثا عن بعض السعادة الأدبية المادية لتؤمن الروح من جديد أن الحرف ليس مفارقا ولا مارقا وإنما هو لاجئ في انتظار العودة إلى حضن الحياة..
ها الكتاب بين يدي.. أحسست برعشة خفيفة.. ببساطة لم يكن كل هذا منتظرا.. نيل جائزة وطبع كتاب هو كتابي الأول.. أخذت أتجول بين القصص، أقرأها بشكل مختلف عما سبق.. فهي الآن عمل مشترك بشكل رسمي إذا صح القول بيني وبين النقاد والقراء.. فهل صرت كاتبا؟؟ ألم أكن كاتبا؟؟..
عندما بدأت الكتابة كنت أبلغ من العمر حوالي الخامسة عشرة.. أحمل قلمي وأقلد الكتاب الذين قرأت عنهم ولهم واطلعت على صورهم في بعض المجلات العربية القديمة، كمجلة العربي خاصة.. أحاكيهم في طقوس الكتابة كما تخيلتها، وفي أسلوبهم السردي والشعري، إلى درجة كبيرة من العشق والولع.. أناجيهم وأحادثهم في خلواتي.. ولم أخبر أحدا عنهم إلا أمي.. وكانت الوحيدة التي أخبرتها أني سأصير كاتبا مثلهم.. لأنهم تركوا كلماتهم العظيمة في سجل التاريخ..
كان دكان جدي عالما أوسع من الحي الذي كنا نقطن به في سلا، عالما مثيرا جذبني إليه بفضل الكلمة.. كنت أنغمس في الخلف بينما كان يبيع الناس المواد الغذائية أتفحص الجرائد والمجلات والكتب التي كان يشتريها بالكيلوغرام ليلف فيها الشاي والسكر والخميرة والحلوى.. كنت أضع جانبا ما يشدني منها لكي لا ينتهي ممزقا، محشوا بالسلع.. وكان رحمه الله يوقفني حين أهم بالمغادرة ويكتشف ككل مرة سر بطني المنتفخ إثر سرقتي كمية من المخطوطات وإخفائها تحت قميصي.. فيؤنبني ثم يضحك قائلا: اقرأها ثم أرجعها.. ولم أفعل يوما!!
فقد كان السحر قد تغلغل أعمق وأبعد.. أصبحت الكلمة كيانا.. وصارت الكتب جواهر قد أقاتل من أجلها.. وصار العظماء في العلم والأدب والفن عامة أطيافا تذهب معي أينما توجهت.. أستشهد بخالد أقوالهم في إنشاءاتي وامتحاناتي.. كما أستنجد بكتاباتهم لكي أعبر عن أحاسيسي ومشاعري وأنخرط بدوري في كون الكتابة البهيجة رغم الألم والاكراهات الجزيلة.. من مضايقات الأقران وسيادة لغة المادة والمظاهر مكان الثقافة واحتفاليات الحرف.. صار القلم طقسا مقدسا وتركيب الحروف انوجادا وصلاة..
ومع توالي الأيام.. ازداد الوجد.. ولم أعد أتساءل ما إذا كنت كاتبا.. بقدر ما تجلى الهاجس الأكبر.. الاكتمال والوجود بالكتابة وهواء النص.. يجيء الوحي في أوقات لا متوقعة.. في قاعة المحاضرات.. فأسجله هامشا أسفل الدرس.. في الحافلة وسط ازدحام شديد.. أدونه على التذكرة.. في المرحاض حتى.. أهرول إلى أوراقي.. لأخط الهلوسة الآتية من المجهول قبل أن تفر كفراشة عزيزة الجمال.. لا تسمح إلا بنظرة أولى والتقاط سحر أول..

الكتابة ليست إلا رحلة صوفية.. هذا ما أكده لي ميلاد كتابي الأول.. صفر درهم.. ttc.. نبحث من خلالها عن وجود حقيقي حتى لا نموت كأي شيء آخر.. وقبل أي شيء آخر..

الأربعاء، 21 فبراير 2018

توت الأرض السماوي



سأمرح اليوم كثيرا. سأصول وأجول كما يقولون. أمي ليست في البيت. سأفعل كل ما يحلو لي، سأركب المكنسة فرسا، أحمل المطرية سيفا، أهاجم الأرض المحظورة، الصالون. ياه.. منذ مدة لم أترنح على أفرشته الاسفنجية. سأسوي الوسائد ثكنات عسكرية. أقتنص الأعداء بمطريتي؛ أقصد رشاشي "الواعر"، الذي تخيلته سيفا قبل قليل!.. ثم بعد أن أمل من الحرب والانتصارات، سأفترشها في وسط الصالون، آتي من بعيد، أقفز بقوة. كأنه بحر أو مسبح. سأفعل كل ما منعتني منه السبابة مهددة كل مرة أحاول شيئا، وإن بسيطا.

أمي الآن في طريقها لزيارة وليها الصالح المفضل. الذي تدخل لها عند السماء، فتكورت بطنها بي. أنا الذكر الوحيد. ربما ذهبت لتشكره. أو لتطلب فتاة هذه المرة. إذا كان مختصا في الجنسين. تعجبني الفكرة. أن تصير لي أخت، تؤنسني، ألعب معها. وقبل كل ذلك ألعب بها عندما تكون بعد كالدمية صغيرة جدا. أضربها، أوبخها عندما تكبر قليلا.. فأنا سأكون الأكبر صاحب "العقل" والمعرفة والتجربة. لن تحتج أمي.. بل ستقول لها: افعلي ما يقوله لك أخوك. إنه أكبر منك. فينتفش ريشي وأنا أغيظها بإخراج لساني لها كالأفعى انتصارا.. فتغضب وتكشر وتصرخ. أخشى فقط مع مرور الأيام أن تنتهي أيام حكمي، لتخلفني على عرش الدلال و"الفشوش" وتلبية الرغبات جميعها وإن عزت. لقد ولدت لأمي بعدما رأت النجوم تتراقص في عز النهار وهي تبكي وتتشاجر مع أبي. أريد طفلا.. هل سأبقى هكذا كالصحراء القاحلة. هل يعجبك أن نظل يتيمين؟ هل تروق لك لمزات وغمزات أمك؟ وعندما لا تنال منه شيئا تهرع لزيارة أولياء الله الصالحين، وحتى القبور المهجورة التي يزعمون أنها لأناس ذوي بركات وخوارق. حتى الصخور في القرى البعيدة تمسحت بها وقبلتهاـ بل سفت ترابها! لم تترك فقيها ولا عرافا إلا ولجت مغارته ورمت بين يديه "الفتوح" والدجاج المختلف الألوان والأشكال والتسميات. جربت كل الوصفات المعروفة والغريبة والأغرب التي وصفتها لها الجارات ونساء العائلة، بل السيدات العابرات اللواتي كانت تلتقيهن في عيادات الأطباء، في السوق أو عند البقال. أكلت ما لا يؤكل بداية من الأعشاب المريبة الأسماء. "المساخن" سمعت مرة إحدى العواجيز تخبرها أنها تسخن الكرش فيستقر فيه الولد من الضربة الأولى، والقديد الذي جمعته من بيوت الحي وهي تهرول من زقاق إلى آخركالمجنونة تطلبه شاكية باكية ساردة القصة التي يعرفونها من أولها، وهي تحسب لتكمل المائة قطعة قديد إلا واحدة. ربما الحكمة في تلك الناقصة!لقد عانت أمي المسكينة كثيرا، لطالما سمعت وأنا في السماء جدتي تنكزها بعبارة العقم وأخواتها مرارا، وأمي تحبس العبرات ووجهها يكاد ينفجر حنقا وغيظا من شدة الضعف وقلة الحيلة. لكم وددت أن أمسك جدتي الشريرة من أنفها الضخم البارز فأجرها بشدة حتى تسأل أمي مسامحتها، وأن أتبول عليها وهي ساجدة تصلي صلاتها الباطلة. ولكني كنت بعد شبحا ومشروعا. أردت معاقبتها، فمن يصلي لا يؤذي الناس. هكذا يقول القرآن والرسول. جدتي خبيثة. لا أدري لم لم تعمل لها عملا عند عراف من الذين تزورهم يسكتها.. يشل لسانها وما تبقى من عضلاتها ومفاصلها الواهنة. كانت تريد الأطفال فقط. أمي طيبة. لقد اضطرت إثر أفعال جدتي وبعض القريبات من طينتها أن تفعل أكثر، وما لا يخطر على بال لتخرسهم إلى الأبد.. بي.. أنا الأمير الذي كان مازال هناك.. غيبا. مرة أحضرت لها خالتي "هنية" التي نناديها هكذا مع أنها ليست أخت أمي.. خلاصا لامرأة أنجبت لتوها توأمين. يا لحظها المضاعف!دخلت وأمي إلى غرفة النوم فهرعت إلى النافذة. بل مررت عبر الجدار. كنت بعد طيفاأسترق السمع والنظر. رأيت خالتي "هنية" تضع الخلاص المقزز على السرير وتجلس عليه أمي وهي تمسك بها وتهمس لها. حرارته ستكون مباركة إن شاء الله. ما من واحدة جربته إلا ورزقت الخلف بلا عدد.. ومعهم المدد! وأمي تردد مبتهلة متوترة: على الله... على الله الحبيب. أنا "مزاوكة" يا سيدي ربي. أنا فعار سيدي العربي.. ولالة الضاوية. تغمض عينيها وتفيض في الدعاء حتى تنسدل الدموع على خديها بحرارة الخلاص الذي تحتها. عانت والدتي كثيرا،وتألمت وأنا أراقبها من السماء. أو أتجول بالقرب منها ملاكا، ولا أستطيع أن أرتمي في أحضانها وأطلعها على قدومي السار.. أبشرها به قبل أن تقدم على عجيب الأمور وخطيرها. لقد بلغ بها اليأس حدا مهولا. في مرة أقدمت على أكل الفئران. نعم. إحدى المهووسات بالشعوذة والخزعبلات أسرت لها بأن إحدى النسوة في الدرب المجاور طرقت أبواب المستحيل ولم تنجح في نفخ بطنها إلا عندما وقعت على كنز وجبة الفئران!ما هذه الجنة تحت أقدام الأمهات؟يفعلن كل هذا من أجلنا نحن العاقون في نهاية الأمر؟تناولت أمي الفأر المطبوخ بعد تردد واشمئزاز زالا فور تذكير المهووسة لها بغرضها المقدس.. الأولاد هادو.. كولي. عقلتي على عجوزتك آش دوزت وقالت عليك؟؟ كولي باش تجيبي ليهم سيد الرجال!فاقترفت أمي الجنون. حملت المشعوذة الفأر الناضج تفور منه أبخرة السخونة إلى فم أمي المبتلاة فسدت عينيها وابتلعته وهي تزعق كأنها سيارة معطوبة الفرامل. لقد فعلت. أحسست كأنني ابتلعته أيضا لحظتها. حتى تقيأت. لولا أن قيئي وأنا في السماء هلامي لسقط على رأس محظوظ هذه العشية،فغير خططه وعكر مزاجه. 
ربما ذهبت أمي لتطلب بنتا هذه المرة لتساعدها في أعمال البيت. ستمشط شعرها الطويل لوقت يسير، بعد أن تمرر المشط بين شعراتي القصيرة في ثانيتين وتأمرني بالانصراف. تزركش لها كفيها بالحناء التي أكرهها. تسر لها بكل شيء عندما ينزل منها الدم فتصبحان متشابهتين.. وأشياء أخرى كثيرة، وفي الانتظار إلى المطبخ الآن. سأملأ حوض غسيل الأواني بالماء، وأصنع سفنا بأوراق أنتزعها من دفاتري المدرسية،ثم أضعها في بحيرتي لتطفو وتبحر وأنا أجدف حواليها بيدي متناسيا العواصف ومثلث برمودا، حتى أحسست ريحا خفيفة من خلفي. لم تكن زوبعة. كانت يد أمي وقد أمسكت بي من قفاي. لم أحس بها حين فتحت الباب ولا عندما أغلقته. أحكمت قبضتها علي. بحثت عن الحزام المرعب وهي تجرجرني من ركن إلى ركن عبر البيت، وفي النهاية وجدته وألفيتني أصرخ من شدة الضربات القاسية المصحوبة بالسب والوعيد المسبق والتحذير من إعادة الكرة، وقد نسينا معا كل ما كان عندما كنت في السماء، وكانت في الأرض ترجو الغيث!


(فازت هذه القصة القصيرة بالجائزة الثانية لمسابقة أحمد بوزفور للقصة القصيرة – الدورة 11. 2014 )